ابن عربي

كتاب الجلال والجمال 16

رسائل ابن العربي ( دار احياء التراث )

أوقر في نفسك طلبا ما ممن خلق من اجلك سواء كان مثلك أو لم يكن فان اللّه تعالى قد طلب ذلك منك وأنت لم تشعر فان كنت اطعته في ذلك فان ذلك يطيعك وان كانت الأخرى فذلك كذلك واعلم أن اللّه خلق هذا النوع الانساني من اجل الانسان قال اللّه تعالى ( وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ - لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ) فافهم هذه الإشارة ترشد ان شاء اللّه تعالى . إشارات الجلال . قال اللّه تعالى ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) ما من آية في كتاب اللّه تعالى ولا كلمة في الوجود الاولها ثلاثة أوجه جلال وجمال وكمال فكمالها معرفة ذاتها وعلة وجودها وغاية مقامها وجلالها وجمالها معرفة توجهها على من تتوجه عليه بالهيبة والانس والقبض والبسط والخوف والرجاء لكل صنف شرب معلوم منها وانما عدلنا في هذا الجزء إلى ذكر جلال آية وجمال أخرى ليعرف الطالب المريد صور المناسبة بين المتباينين فليس لكلمة مقام رابع ويظهر سر ذلك في الإلهية في معرفة الحق نفسه ويديه وقبضته فاعلم ذلك فأفزع المحققون « 1 » جلال هذا القول إذا حالهم على استطاعتهم فرمى بهم في بحر البعد وظهر في عزته فما قدر أحد من المكلفين ان يفي باستطاعته في تقواه فأهلكهم جلال هذا السهل الممتنع فلما اشتد عليهم هذا الجلال حتى كاد ان يهلكهم بسطهم الحق وآنسهم فاشهدهم ( اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ) . الجمال . قال اللّه تعالى ( اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ) فنزل إليهم في جماله مباسطة حين امرهم بالوفاء بالحق فانسوا واطمأنوا فخافوا على أنفسهم من غوائل البسط فاستعملوا نفوسهم واسرارهم في ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) فحفظت عليهم هذه الآية أدب الحضرة إشارة اتقوا اللّه باللّه وهو قوله عليه السلام وأعوذ بك منك قال اللّه تعالى ( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ) وقال ( يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ) إشارة اتقوا اللّه من كونه ساخطا باللّه من كونه راضيا . إشارة عامية كونية . اتقوا اللّه المعاقب باللّه المعافى فمن عرف حقائق

--> ( 1 ) كذا